ابن عجيبة

304

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقيل : شرط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمن كان له غناء أن ينفله ، فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين ، ثم طلبوا نفلهم ، وكان المال قليلا ، فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات : كنا ردءا لكم ، وفئة تنحازون إلينا ، فلا تختصوا بشيء دوننا ، فنزلت ، فقسمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم على السواء . ولهذا قيل : لا يلزم الإمام الوفاء بما وعد ، وهذا قول الشافعي رضى اللّه عنه . وعن سعد بن أبي وقاص رضى اللّه عنه قال : لمّا كان يوم بدر قتل أخي عمير ، وقتلت سعيد بن العاص ، وأخذت سيفه ، وأتيت به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستوهبته منه ، فقال : « ليس هذا لي ، ولكن ضعه في القبض « 1 » » ، فطرحته ، وفي قلبي ما لا يعلمه إلا اللّه من قتل أخي وأخذ سلبى ، فما جاوزتها إلّا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال ، فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سألتني السّيف وليس لي ، وإنّه قد صار لي فاذهب فخذه » « 2 » . فَاتَّقُوا اللَّهَ في المشاجرة والاختلاف ، وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي : أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمواددة وسلامة الصدور ، والمساعدة فيما رزقكم اللّه ، وتسليم أمره إلى اللّه تعالى ورسوله ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمركم به إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؛ فإن الإيمان يقتضى الاستماع والاتباع ، أو إن كنتم كاملى الإيمان ؛ فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث : امتثال الأوامر ، واجتناب النواهي ، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان . ثم ذكر شروط كمال الإيمان ، فقال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكاملون في الإيمان : الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ؛ خافت واقشعرت لذكره ؛ استعظاما له وهيبة من جلاله ، وقيل : هو الرجل يهم بالمعصية فيقال له : اتق اللّه ، فينزع عنها خوفا من عقابه ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ القرآنية زادَتْهُمْ إِيماناً أي : يقينا وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها ، أو بالعمل بموجبها . وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، بناء على أن العمل داخل فيه ، والتحقيق : أن العمل خارج عنه ، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية ، وسيأتي في الإشارة الكلام عليه . ومن أوصاف أهل الإيمان : التوكل على اللّه والاعتماد عليه ، كما قال : وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وقد تقدم في « آل عمران » الكلام على التوكل « 3 » ، ثم وصفهم بإقامة الدين فقال : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ

--> ( 1 ) القبض - بالتحريك : بمعنى المقبوض ، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم . انظر : النهاية ( قبض ) . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 180 وابن أبي شيبة ( 12 / 370 ) وسعيد بن منصور ( 2689 ) والطبري في التفسير ، وبنحوه أخرجه أبو داود في ( الجهاد ، باب في النفل ) والترمذي في ( التفسير - سورة الأنفال ) . ( 3 ) راجع إشارة الآية 159 من سورة آل عمران .